pic
pic

الواجب التعیینی و التخییری

الجلسة 69
  • بتاريخ 14 شعبان 1447
خلاصات الملاحظات

مُحصّل البحث المتقدّم
تحقيق المحقّق الفاضل اللنكراني في أقسام الواجب الكفائيّ
أصل المبنى: تعدّد الصور الثبوتيّة للواجبات الكفائيّة
القسم الأوّل: الطبيعة الممتنعة عن التكرار
نقد مبنى «صرف وجود المكلَّف»
نقد مبنى المحقّق البروجردي (المباشرة وعدمها)
الحلّان المقترحان لتصحيح القسم الأوّل
القسم الثاني: الطبيعة القابلة للتكرار مع كفاية الفرد الواحد
نقد مبنى «صرف وجود المكلَّف» في القسم الثاني
نقد مبنى المحقّق البروجردي في القسم الثاني
القسم الثالث: الطبيعة القابلة للتكرار والمطلوب صرف الوجود
أثر مبنى «الخطابات القانونيّة» في تحليل الواجب الكفائيّ
التفسير البديل: الواجب الكفائيّ بوصفه وجوباً لـ «صرف وجود الفعل»
مراجعة أركان التكليف ونقد مبنى المحقّق الأصفهاني
النظريّة الثالثة في تحليل الوجوب الكفائيّ ونقد الشهيد الصدر
الاحتمالات الأربعة في «تكليف أحد المكلّفين» وإبطالها
وقفةٌ تحليليّة مع كلام الشهيد الصدر
ثمرات مبنى الإمام والمحقّق الفاضل في خصائص الواجب الكفائيّ
الخصيصة الوحيدة المستقرّة: عصيان الجميع عند ترك الجميع
المصادر


بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

 
مُحصّل البحث المتقدّم

كنّا قد استعرضنا في البحث المنصرم النظريّة التحليليّة التي شيّدها الإمام الخميني (قدّس سرّه) حول حقيقة الواجب الكفائي، وما ألحق بها من تنقيحٍ وتكميلٍ في كلمات المحقّق الفاضل اللنكراني (رضوان الله عليه). وقد انطلق الإمام (قدّس سرّه) من نفي وحدة الصورة الثبوتيّة للواجب الكفائي، مُثبِتاً تعدّد صوره وتمايزها في أربعة أنحاء: ١) ما تكون طبيعة المأمور به فيه غير قابلةٍ للتكرار (كقتل المرتدّ، وسابّ النبيّ، ودفن الميّت الواحد). ٢) ما تكون قابلةً للتكرار، إلا أنّ المطلوب فردٌ واحدٌ والزائد مبغوض. ٣) ما تكون كذلك، إلا أنّ الزائد لا مطلوب ولا مبغوض. ٤) ما تكون قابلةً للتكرار، والمطلوب هو «صرف وجود الطبيعة». وقد برهن (قدّس سرّه) على أنّ توجّه الخطاب إلى «جميع المكلّفين» بنحو العموم الاستغراقيّ يواجه محاذير عقليّة صارخة في الصور الثلاث الأولى، إمّا لاستحالة الانبعاث الجمعيّ، وإمّا لاستلزامه البعث نحو المبغوض أو اللغو. وأمّا في الصورة الرابعة، فإنّ الاستغراق يُحيل الواجب الكفائيّ عمليّاً إلى واجبٍ عينيّ. ومن هنا، ناقش مبنى تعلّق التكليف بـ «صرف وجود المكلّف» ـ الذي تبنّاه العلمان النائيني والخوئي ـ عادّاً إيّاه غيرَ وافٍ بتمام الصور، وانتهى إلى ضرورة المصير في عمدة الصور إلى فكرة «فردٍ ما من المكلّفين» (تارةً بشرط لا، وأخرى لا بشرط)، مؤسّساً لإمكان التخيير في ناحية المكلَّف (الفاعل) على وزان التخيير في المكلَّف به. نعم، لم يمنع من إمكان الجمع بين «صرف وجود الطبيعة» و«صرف وجود المكلّف» في بعض الصور الخاصّة. وفي السياق نفسه، أكّد المحقّق الفاضل اللنكراني (قدّس سرّه) على هذا التقسيم، مرتّباً عليه عدم انحصار الواجب الكفائيّ في تحليلٍ واحد. وقد حصر الأقسام العمدة في ثلاثة، باحثاً عن معيار الفرق بين العينيّ والكفائيّ: هل هو في ناحية المكلَّف (الوجود الساري قبال صرف الوجود) أم في المكلَّف به (أخذ قيد المباشرة وعدمه، وفقاً لمبنى المحقّق البروجردي). وقد انتهى المحقق الفاضل إلى قصور كلا المبنيين (صرف وجود المكلّف، ومبنى البروجردي) عن تفسير القسمين الأوّل والثاني عقلائيّاً، منحصراً الحلّ فيهما إمّا بالتخيير في المكلَّف (كالواجب التخييريّ)، وإمّا بالوجوب المشروط بعدم صدور الفعل من الغير. نعم، قَبِلَ تطبيق فكرة «صرف الوجود» في المكلَّف والمكلَّف به في القسم الثالث حصراً. والنتيجة النهائيّة التي تضافرت عليها كلمات العلمين: أنّ الواجب الكفائيّ ليس سنخاً واحداً من الوجوب، بل كلّ صورةٍ تستدعي تحليلاً ثبوتيّاً يخصّها.

تحقيق المحقّق الفاضل اللنكراني في أقسام الواجب الكفائيّ

أصل المبنى: تعدّد الصور الثبوتيّة للواجبات الكفائيّة

يصرّح المرحوم آية الله الفاضل اللنكراني (رضوان الله عليه) في كتابه «أصول فقه الشيعة»[1] بأنّ الواجبات الكفائيّة ليست ذات مآلٍ ثبوتيٍّ واحد، ويمتنع حشرها جميعاً تحت مظلّة تحليلٍ ماهويٍّ واحد. حيث أفاد ما نصّه:

والتحقيق في المسألة: أنّه لا دليلَ لدينا على أن تكون جميعُ أقسام الواجب الكفائيّ على وتيرةٍ واحدة، بل يمكن تخريجُ بعضها بوجهٍ، وبعضها الآخر بوجهٍ آخر. وهذا المعنى وإن كان يبدو مستبعداً في بادئ النظر، إلا أنّ مقتضى التحقيق هو أنّ تصوير الواجبات الكفائيّة ليس على نمطٍ واحد. فإنّا حينما نستعرض أقسام الواجب الكفائيّ، نجدها تتصوّر في ثلاثة أنحاء.

ثمّ يعمد (قدّس سرّه) إلى رسم معالم هذه الأقسام الثلاثة على النحو التالي:

- القسم الأوّل: ما لا تملك طبيعة المأمور به فيه قابليّة التحقّق الخارجيّ لأكثر من مصداقٍ واحد.

- القسم الثاني: ما تكون طبيعة المأمور به فيه ذات مصاديق متعدّدة، إلا أنّ ما يستوفي الغرض المولويّ هو مصداقٌ واحدٌ منها فقط.

- القسم الثالث: ما تكون الطبيعة فيه ذات مصاديق متعدّدة، ويكون المحصّل للغرض المولويّ هو «صرف وجود الطبيعة»، لا الفرد بخصوصيّته.

وفي ضوء هذا التقسيم، يتصدّى المحقّق الفاضل (قدّس سرّه) للبحث والنقد الشامل للمبنيين الثبوتيّين الأهمّ في مقام تفسير حقيقة الواجب الكفائي والفارق بينه وبين العينيّ:

- المبنى الأوّل: جعل الفارق في ناحية «المكلَّف»؛ بأن يكون المكلَّف في الواجب العينيّ هو «الوجود الساري للمكلّفين» (العموم الاستغراقي)، وفي الواجب الكفائيّ هو «صرف وجود المكلَّف» (الطبيعة الكلّيّة للفاعل).

- المبنى الثاني: جعل الفارق في ناحية «المكلَّف به» (وهو مختار المحقّق البروجردي)؛ بأن يكون الفعل في الواجب العينيّ مأخوذاً بقيد المباشرة وصدوره عن شخص المكلَّف، بينما يكون الواجب الكفائيّ مجرّداً عن هذا القيد.

وقد انتهى (قدّس سرّه) من خلال تحليله الدقيق، إلى قصور هذين المبنيين عن تصحيح القسمين الأوّل والثاني، وأنّ صلاحيّة الانطباق ـ وتحديداً للمبنى الأوّل (صرف وجود المكلّف) ـ تنحصر في القسم الثالث فقط.

القسم الأوّل: الطبيعة الممتنعة عن التكرار

في هذا القسم، تنحصر طبيعة المأمور به في مصداقٍ خارجيٍّ واحد، ويمثّل له بدفن الميّت في الفرض الذي لا يُتصوّر فيه إلا دفنٌ واحد، والمثال الأجلى منه هو قتل سابّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله). حيث يقول (قدّس سرّه) في توصيف هذا القسم:

القسم الأوّل: أن لا يكون للطبيعة الواقعة مأموراً بها أكثر من مصداقٍ واحد. فمثلاً: قد تقع طبيعة دفن الميّت متعلّقاً للحكم، ولكنّ هذه الطبيعة ذات مصداقٍ واحدٍ غير قابلة للتكرار. والمثال الأوضح لذلك مسألة "سابّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)"... فإنّ قتلَ الشخص السابّ قد وقع متعلّقاً للحكم بما هو طبيعةٌ وماهيّة، إلا أنّه لا يُتصوّر له في مورد هذا الشخص السابّ أكثر من مصداقٍ واحد، وبتحقّق قتله ينتفي الموضوع.

وفي نطاق هذا القسم، يُخضع المحقّق الفاضل المبنيين الثبوتيّين المتقدّمين للتقييم الدقيق:
نقد مبنى «صرف وجود المكلَّف»

أمّا المبنى الأوّل ـ القائل بأنّ المكلَّف في الواجب العينيّ هو «الوجود الساري»، وفي الكفائيّ هو «صرف الوجود» ـ فقد ناقشه (قدّس سرّه) بما حاصله:

إنّ مفهوم «صرف وجود المكلَّف» ـ بسعته المفهوميّة ـ يلتئم مع المكلّف الواحد، ومع المتعدّد، ومع المجموع بما هم جميع المكلّفين. وحينئذٍ، يُطرح التساؤل التالي: كيف يتأتّى للمولى الحكيم ـ الذي يتقوّم غرضه من البعث والتكليف بتحقيق الانبعاث والتأثير في العبد ـ أن يوجّه بعثه وتحريكه نحو «جميع المكلّفين» (المنطبق عليهم عنوان صرف الوجود) لأجل تحقيق طبيعةٍ واحدةِ المصداق، لا تقبل التعدّد، ويكفي في إيجادها مكلّفٌ واحدٌ أو نفرٌ قليل؟! إنّ مثل هذا المسلك مما تستهجنه العقول السليمة وتأباه سيرة العقلاء.

ومفاد هذا الإشكال أنّ تحريك العموم نحو طبيعةٍ لا تقبل الصدور إلا مرّةً واحدة، يعدّ عملاً لغواً ومنافياً للمرتكزات العقلائيّة في باب التكليف.

نقد مبنى المحقّق البروجردي (المباشرة وعدمها)

وأمّا المبنى الثاني ـ القائل بأنّ ميز العينيّ عن الكفائيّ يكمن في تقييد المكلَّف به بالمباشرة في الأوّل وإطلاقه في الثاني ـ فقد أورده المحقّق اللنكراني موارد النقد في نطاق «القسم الأوّل» بقوله:

ومن هنا يتّضح الجواب عن الاحتمال الثاني أيضاً... فنحن وإن سلّمنا بأنّ المكلَّف به في الواجب الكفائيّ غير مقيّدٍ بقيد المباشرة ويحصل بفعل الغير، ولكن يبقى السؤال قائماً: ما هي المناسبة المصحّحة لبعث وتحريك كافّة المكلّفين نحو إنجاز هذا الفعل الوحيد؟ وهل يصحّ عند العقلاء استنهاض الجميع لقتل شخصٍ واحد؟! إنّ هذه القضيّة ممّا لا يقرّها العقلاء.

وعليه، فإنّ كلا المسلكين ـ «صرف وجود المكلّف» و«إطلاق المكلَّف به» ـ يواجهان طريقاً مسدوداً ولا يمكن الالتزام بهما لتفسير القسم الأوّل.

الحلّان المقترحان لتصحيح القسم الأوّل

وفي سبيل الخروج من المأزق الثبوتيّ في هذا القسم، يطرح المحقّق الفاضل (قدّس سرّه) مسلكين للمعالجة:

المسلك الأوّل: التنظير بالواجب التخييريّ في ناحية الفاعل

بيان ذلك أنّا نجد في باب الواجب التخييريّ أنّ الغرض المولويّ الواحد قد يكون قابلاً للاستيفاء عبر طرقٍ متعدّدة لا مزيّة لإحداها على الأخرى ذاتاً (كخصال الكفّارة)، فيصدر الأمر بلسانِ «أطعم أو صم»، فيكون العبد مخيّراً في مقام الامتثال. وعلى هذا المنوال، يقرّر (قدّس سرّه) جريان الأمر في الواجب الكفائيّ قائلاً:

الطريق الأوّل: هو ما طرحناه في باب الواجب التخييريّ... والمسألة جاريةٌ في السيرة العقلائيّة أيضاً... فالعبد مخيّرٌ في مقام الامتثال، وبتعبيرنا: إنّ الواجب واجبٌ تخييريّ. ونظير هذا الكلام نطرحه في ما نحن فيه من الواجب الكفائيّ... فالشارع المقدّس يريد قتل سابّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولكن من الذي يتولّى قتله؟ هنا يلاحظ الشارع أنّ كافّة المكلّفين في هذا الصدد سواء ولا ترجيح لأحدهم، فيقول: "ليقم بهذا العمل واحدٌ منكم أيّها المكلّفون". فالتكليف إذاً متعلّقٌ بالجميع، ولكن ثمّة نوعٌ من التخيير في ناحية المكلَّف يتحقّق بنحوٍ خاصّ بكلمة "أو" وأشباهها.

ووفقاً لهذا التحليل، يتخلّق لدينا سنخٌ خاصٌّ من الوجوب يضاهي الواجب التخييريّ، مع فارقٍ جوهريّ. أنّ التخيير هناك في جانب «المكلَّف به» (الفعل)، وهنا في جانب «المكلَّف» (الفاعل).

المسلك الثاني: التقييد في ناحية الوجوب (مسلك الآخوند)

وأمّا الطريق الثاني للمعالجة، فيبتني على ما أفاده المحقّق الخراساني من جعل الفارق بين العينيّ والكفائيّ دائراً مدار الإطلاق والتقييد في أصل الوجوب. حيث يقرّر (قدّس سرّه) هذا الوجه بقوله:

الطريق الثاني: أن نعتبر الفارق بين الواجب العينيّ والكفائيّ هو التقييد في ناحية التكليف، وهو عين ما طرحه المرحوم الآخوند... فنقول: إنّ معنى "أقيموا الصلاة" هو توجّه التكليف بإقامة الصلاة إلى الجميع، وهذا التكليف ذو إطلاق؛ أي سواءٌ أتى الغير بالصلاة أم لم يأتِ بها.

أمّا في الواجب الكفائيّ، فثمّة قيدٌ مأخوذ؛ فدفن الميّت واجبٌ، ولكن بشرط أن لا يكون قد قام به غيره في الخارج. فإذا بادر الغير وفعله، لم يعد أحدٌ مكلّفاً، لانتفاء القيد والشرط. وهذا الوجه أيضاً مقبول، وإن كان الوجه السابق أرجح.

وهكذا يتبيّن أنّه في نطاق «القسم الأوّل»، لا مناص من العدول عن المبنيين المشهورين (صرف وجود المكلَّف، وتقييد المباشرة)، والمصير إلى أحد التحليلين البديلين: إمّا التخيير في ناحية المكلَّف، وإمّا الوجوب المشروط بعدم فعل الغير.

القسم الثاني: الطبيعة القابلة للتكرار مع كفاية الفرد الواحد

في هذا القسم، تكون طبيعة المأمور به ذات سعةٍ وقابليّة للانطباق على مصادیق متعدّدة، إلا أنّ الغرض المولويّ اللزوميّ لا يستدعي إلا مصداقاً واحداً منها. والمثال الأشهر في الفقه هو الصلاة على الميّت. حيث يقول (قدّس سرّه) في بيانه:

القسم الثاني: أن تكون الطبيعة الواقعة مأموراً بها ذات مصاديق متعدّدة، ولكنّ ما يحصّل غرض المولى هو واحدٌ من تلك المصاديق... فمثلاً: الصلاة على الميّت أمرٌ يمكن فيه تعدّد الوجود... ولكنّ ما هو مطلوب المولى بالنسبة للميّت المسلم، وتعلّق به غرضه الوجوبيّ، عبارةٌ عن "صلاةٍ واحدة". أي أنّ مصداقاً واحداً من طبيعة المأمور به يكفي في حصول غرض المولى. نعم، بقيّة الأفراد ذات رجحان ومستحبّة.

وفي دائرة هذا القسم أيضاً، يُعيد المحقّق الفاضل (قدّس سرّه) تقييم المبنيين الثبوتيّين المتقدّمين.

نقد مبنى «صرف وجود المكلَّف» في القسم الثاني

يتساءل (قدّس سرّه) في مقام البحث: أيٌّ من الاحتمالين المتقدّمين في تفسير الواجب الكفائيّ يصلح للتطبيق هنا؟ فأمّا الاحتمال الأوّل ـ القائل بأنّ الفارق يكمن في ناحية المكلَّف (الوجود الساري قبال صرف الوجود) ـ فيناقشه بما نصّه:

وفقاً لهذا الاحتمال، لا بدّ أن يقال: من جهةٍ، لا يتعدّى غرض المولى صلاةً واحدةً على الميّت، ومن جهةٍ أخرى، قد حرّك المولى "صرف وجود المكلّفين" نحوها. ومعلومٌ أنّ صرف وجود المكلّفين يتحقّق بالمكلّف الواحد، وبالمتعدّد، وبالمجموع. ولكنّ هذا الكلام ليس عقلائيّاً؛ إذ يقول العقلاء: أيّ معنىً لأن يعمد المولى ـ لأجل صلاةٍ واحدةٍ على الميّت يمكن أن يؤدّيها فردٌ واحد أو نفرٌ معدود ـ إلى تحريك كافّة المكلّفين واستنهاضهم تجاهها؟!

وعليه، يثبت أنّ جعل الوجوب منصبّاً على «صرف وجود المكلّف» في موردٍ يحصل فيه الغرض بفردٍ واحد، يعدّ عملاً لغواً ومنافياً للسيرة العقلائيّة في هذا القسم أيضاً.

نقد مبنى المحقّق البروجردي في القسم الثاني

وأمّا الاحتمال الثاني ـ القائل بأنّ ميز الواجب الكفائيّ عن العينيّ هو في ناحية المكلَّف به (عدم قيد المباشرة) ـ فيناقشه المحقّق اللنكراني بقوله:

فنحن وإن سلّمنا بأنّ الواجب الكفائيّ غير مقيّدٍ بالمباشرة ويتحقّق بفعل الآخرين، ولكن مع ذلك يبقى السؤال: ما هي المناسبة المصحّحة لتحريك جميع المكلّفين لأجل الصلاة على الميّت، والحال أنّ فرداً واحداً منها هو المحصّل للغرض المولويّ؟! إنّ هذه القضيّة ممّا تأباها العقول.

النتيجة في القسم الثاني:

والمتحصّل أنّه لا سبيل لقبول أيٍّ من الاحتمالين المذكورين في هذا القسم أيضاً. بل لا مناص هنا ـ كما في القسم الأوّل ـ من الالتزام بأحد الطريقين اللذين أسلفنا ذكرهما (التخيير في الفاعل أو الوجوب المشروط)؛ إذ إنّ هذا القسم يؤول في واقعه إلى القسم الأوّل، بفارقٍ يسيرٍ هو أنّ دفن الميّت لم يكن قابلاً للتعدّد ثبوتاً، بينما الصلاة على الميّت قابلةٌ للتعدّد... .

وبعبارةٍ أخرى، إمّا أن يُصار إلى تحليل المسألة على غرار الواجب التخييريّ في ناحية المكلَّف (ليقم به أحدهم)، وإمّا أن يُعتبر الوجوب بالنسبة لكلّ فردٍ مشروطاً بعدم صدور الفعل من الغير.

القسم الثالث: الطبيعة القابلة للتكرار والمطلوب صرف الوجود

في القسم الثالث، تكون طبيعة المأمور به ذات سعةٍ ومصاديق متعدّدة، ويكون المحصّل للغرض هو «صرف وجود الطبيعة»، بمعنى أنّه:

لو تحقّق المأمور به في ضمن فردٍ واحد، كان ذلك الفرد بعينه محصّلاً لغرض المولى. ولو تحقّق في ضمن عشرة أفراد، كانت تلك العشرة بأجمعها محصّلةً للغرض. ولو تحقّق في ضمن جميع أفراده الممكنة، كان لجميع الأفراد دخلٌ ومساهمة في حصول الغرض المولويّ.

ويعلّق المحقّق الفاضل (قدّس سرّه) على هذا القسم بقوله:

إنّا وإن لم نعثر على مثالٍ شرعيّ واضح لهذا القسم من الواجب الكفائيّ، إلا أنّنا لا يسعنا إنكار إمكانه وتصويره عقلاً. نعم، لو ظفرنا بمثالٍ له، فلن يساورنا شكٌّ في صدق عنوان الواجب الكفائيّ عليه.

وخلافاً للقسمين السابقين، يرى المحقّق الفاضل صلاحيّة تطبيق مبنى «صرف وجود المكلَّف» في هذا القسم، حيث يقول:

في هذا المورد يمكننا تطبيق الاحتمال الأوّل، فنقول: كما أنّ المكلَّف به عبارةٌ عن "صرف وجود الطبيعة"، فكذلك المكلَّف هو "صرف وجود المكلَّف"؛ بمعنى أنّه لو قام مكلّفٌ واحدٌ بإيجاد فردٍ واحدٍ من أفراد الطبيعة، فقد تحقّق صرف وجود الطبيعة وصرف وجود المكلَّف معاً. وكذا لو بادر مائةُ مكلّفٍ إلى إيجاد مائة فردٍ من أفراد الطبيعة، فقد حصل الأمران أيضاً. بل حتّى لو قام جميع أفراد المكلّفين بإيجاد جميع أفراد الطبيعة، وأتى كلٌّ منهم بفردٍ، فلا مانع من ذلك.

ثمّ يختم (قدّس سرّه) بحثه بالجمع والتلخيص قائلاً:

...إنّ الواجب الكفائيّ من حيث التصوير ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

ففي القسمين الأوّل والثاني، لم يكن أيٌّ من الاحتمالين المتبقّيين في تفسير الواجب الكفائيّ جارياً، ممّا اضطرنا إلى طرح طريقٍ آخر لحلّ الإشكال فيهما... وأمّا بالنسبة للقسم الثالث، فقد كان الاحتمال الأوّل (صرف الوجود) قابلاً للتطبيق عليه. وقد أسلفنا القول بأنّه: "لا ضير ولا استبعاد في أن يكون لبعض أقسام الواجب الكفائيّ مخرجٌ وحلٌّ يغاير الأقسام الأخرى".

أثر مبنى «الخطابات القانونيّة» في تحليل الواجب الكفائيّ

من المعلوم أنّ كلاً من الإمام الخميني والمحقّق الفاضل اللنكراني (قدّس سرّهما) قد شادا أركان نظريّة «الخطابات القانونيّة» في باب التكليف. ومقتضى هذه النظريّة أنّ التكليف في مرحلة الجعل والتشريع لا يتشكّل على نحو «الخطاب الشخصيّ» المتوجّه إلى ذوات الأفراد الخارجيّين، بل هو «حكمٌ كلّي قانونيّ» يتعلّق بالعناوين النوعيّة العامّة، كعنوان «يا أيّها الذين آمنوا». وفي هذا الأفق التشريعيّ، لا موطن للبحث عن «البعث الشخصيّ المعيّن»، بل المدار على مجرّد جعل القانون بالنسبة إلى نوع المكلّفين.

واللافت أنّ كثيراً من التحليلات السابقة في كلمات الإمام والمرحوم الوالد ـ وكذا النقود التي وجّهاها إلى غيرهما ـ كانت تبتني ضمناً على افتراض كون التكليف من سنخ «البعث والانبعاث الشخصيّ»، ممّا سوّغ لهما الحديث في مقام الجعل عن إمكان أو لغويّة «انبعاث الجميع» أو «انبعاث البعض». فعلى سبيل المثال، في القسم الأوّل من الواجب الكفائيّ (كقتل سابّ النبيّ أو دفن الميّت الواحد)، ذهبا إلى امتناع تحريك كافّة المكلّفين نحو فعلٍ لا يقبل التحقّق الخارجيّ إلا مرّةً واحدة. وفي سائر الأقسام، اعتبرا الشمول الاستغراقيّ إمّا مستلزماً للبعث نحو المبغوض وغير المطلوب، وإمّا لغواً وعبثاً.

ولكن وفقاً لمبنى الخطابات القانونيّة، فإنّ مرحلة الجعل خاليةٌ أساساً من لحاظ «المكلَّف الشخصيّ» كركنٍ من أركان التكليف؛ إذ يتعلّق الخطاب بالعنوان النوعيّ لا بالأفراد الخارجيّين. وعليه، فإنّ الاستدلال بـ «عدم إمكان انبعاث الجميع» أو «لغويّة انبعاثهم» في مستوى الجعل القانونيّ، يغدو أمراً غير دقيق. ذلك أنّ سنّ القانون على عنوان «المؤمنين» أو «المكلّفين» لا يستلزم بذاته الانبعاث الفعليّ للجميع، ولا يتوقّف عليه.

النتيجة: إنّنا لو رمنا صياغة تحليل الواجب الكفائيّ على ضوء مبنى الخطابات القانونيّة، لوجب علينا العدول عن جعل محور البحث «كيفيّة تعلّق الخطاب بأفراد المكلّفين» (هل هو لأحدهم، أم للمجموع، أم للاستغراق، أم لصرف وجود المكلّف؟)، والانتقال بدفّة البحث صوب «المكلَّف به» و«الغرض المولويّ». وحينئذٍ، ينبغي تحليل الواجب الكفائيّ في مرتبة الجعل بوصفه «وجوباً لتحقّق طبيعة الفعل» (على نحو صرف الوجود)، لا بوصفه وجوباً متعلّقاً بالأشخاص بعناوينهم المختلفة.

التفسير البديل: الواجب الكفائيّ بوصفه وجوباً لـ «صرف وجود الفعل»

بناءً على هذا الأساس، يكون التفسير المنسجم للواجب الكفائيّ هو القول بأنّ الحكم قد تعلّق بـ «صرف وجود طبيعة الفعل»، لا بـ «صرف وجود المكلّف» ولا بـ «الاستغراق في المكلّفين» في مرحلة الجعل. فغرض الشارع يتمحور حول تحقّق وجودٍ واحدٍ لتلك الطبيعة في الخارج، دون أن يكون لشخص المكلّف ونوعيّة دخله في الغرض موضوعيّة مستقلّة في صلب الجعل. وهذا التقرير يتناغم تماماً مع المستفاد من مجموع كلمات المحقّق البروجردي، وكذا مع المنهج الذي استظهره صاحب الجواهر في تعداده للموارد الكثيرة للواجبات الكفائيّة (كتجهيز الميّت، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها).[2]

ففي هذا المنظور، لا يعدو الواجب الكفائيّ في مقام الجعل كونه «أنّ الطبيعة واجبة التحقيق في الخارج بنحو صرف الوجود». وأمّا السؤال عمّن حقّق هذا الصرف من المكلّفين، فهو بحثٌ ينتمي إلى مرحلة الامتثال ومقام الثواب والعقاب، لا إلى متن الجعل القانونيّ. وعليه، فإنّ التساؤلات من قبيلِ «هل المكلّف في الواجب الكفائيّ هو أحد المكلّفين، أم الجميع، أم المجموع من حيث المجموع؟»، و«هل انصبّ الوجوب على صرف وجود المكلّف أم على الوجود الساري؟» تفقد موضوعيّتها كمباحث ثبوتيّة في مقام الجعل ضمن إطار الخطابات القانونيّة. بل ينبغي، بدلاً عن ذلك، قصر النظر على هيكليّة تعلّق الغرض بطبيعة الفعل وكفاية صرف وجودها في استيفائه.

مراجعة أركان التكليف ونقد مبنى المحقّق الأصفهاني

كما ألمحنا آنفاً، يرى المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) أنّ حقيقة التكليف هي من سنخ «البعث»، وكما أنّ الحركة التكوينيّة تتقوّم بأركانٍ محدّدة، كذلك يرى للبعث التشريعيّ ركنين أساسيّين: ١- المبعوث إليه وهو الفعل المتعلَّق للبعث؛ ٢- المبعوث وهو المكلَّف الذي يقع موضوعاً للتكليف. ووفقاً لهذا المبنى، فكما تستحيل الحركة التكوينيّة بلا متحرّكٍ ومحرّك، كذلك يستحيل في عالم التشريع تحقّق «بعثٍ بلا مبعوث» (أي بلا مكلَّف).[3]

وعلى هذا الأساس عينه، انطلق الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في نقده للنظريّة القائلة بأنّ الواجب الكفائيّ يقتصر في مقام الجعل على إيجاب طبيعة الفعل من دون لحاظ مكلّفٍ أصلاً، حيث استند إلى مبنى المحقق الأصفهاني مصرّحاً بأنّ البعث من دون مكلّفٍ ومن دون ذمّةٍ مشغولةٍ أمرٌ غير معقول. وعليه، فلا يمكن تصوير الواجب الكفائيّ كمجرّد أمرٍ بالفعل مع الغفلة عن المكلّف.[4] وفي هذا الاستدلال ـ لا سيّما عند تسليط ضوء الخطابات القانونيّة عليه ـ مكمنٌ لمناقشتين جوهريّتين:

الأولى: القياس مع الفارق بين التشريع والتكوين

إنّ استحالة تحقّق الحركة التكوينيّة من دون متحرّكٍ ومحرّك، لا تستلزم بالضرورة أن يكون «المكلَّف الشخصيّ» ركناً مقوّماً ملحوظاً في متن الجعل التشريعيّ. فالتشريع متقوّمٌ بجعل الاعتبار على الغرض وطبيعة الفعل. وأمّا تعيين من يقوم بالفعل وتحديد الذمّة المشغولة به فعلاً، فهو شأنٌ متأخّرٌ رتبةً عن الجعل ومترتّبٌ عليه في طوله، لا أنّه مقوّمٌ لكيانه.

الثانية: إمكان استيفاء الغرض بالفعل ولو بلا مباشَرةٍ إنسانيّة

إنّا نجد في بعض التكاليف إمكانيّة تحقّق الغرض الشرعيّ بمجرّد وجود طبيعة الفعل خارجاً، حتّى لو تمّ ذلك عبر الآلات والأسباب غير الإنسانيّة. ومثال ذلك تجهيز الميّت وتكفينه ودفنه، حيث يمكن افتراض جهازٍ آليٍّ يقوم بالعمليّة مستوفياً كافّة الشروط الشرعيّة. ففي مثل هذا الفرض، يكون تحقّق المأمور به ممكناً من دون توسّط المباشرة الإنسانيّة.

وهذا يكشف عن أنّ حصر أركان التشريع في «المكلَّف الشخصيّ»، وتعميم قاعدة «استحالة البعث بلا مكلّف» على إطلاقها لتشمل جميع التكاليف، أمرٌ لا يخلو من نظر ولا يمكن الدفاع عن إطلاقه. وعليه، فإنّ القضيّة القائلة: «إنّ كلّ تكليفٍ يتقوّم بالضرورة بمكلِّف، ومكلَّفٍ به، ومكلَّفٍ معيّن»، هي قضيّة محلّ تأمّلٍ ومناقشة، أقلّه في سعتها وعمومها. وبالتالي، فإنّ حصر تحليل الواجب الكفائيّ في دائرة «المكلّف» (ورفض أيّ نظريّة تتمحور حول الفعل ذاته) إنّما تفرّع عن ذلك القياس بين التكوين والتشريع. وهو قياسٌ يستدعي إعادة نظرٍ جذريّة، لا سيّما في ظلّ تبنّي مبنى الخطابات القانونيّة.

النظريّة الثالثة في تحليل الوجوب الكفائيّ ونقد الشهيد الصدر

وفي سياق البحث عن حقيقة الواجب الكفائيّ، يستعرض الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) في «بحوث في علم الأصول»[5] نظريّةً ثالثةً تحاول تفسير هذا الوجوب بإرجاعه إلى «العموم البدليّ» في طرف المكلّفين. ومؤدّاها أنّ الوجوب قد تعلّق بـ «أحدهم» على نحو البدليّة، تماماً كما يتعلّق الأمر بـ «أحد العلماء» في قولنا «أكرِم عالماً» بنحو العموم البدليّ. وقد أورد نصّ هذه النظريّة ومناقشتها بقوله:

وأمّا النظريّة الثالثة: التي تفسّر الوجوب الكفائيّ بالوجوب المتعلّق بالمكلّفين بنحو العموم البدليّ أي بأحدهم، نظير الأمر المتعلّق بإكرام عالم بنحو العموم البدليّ... .

ثمّ يشرع (قدّس سرّه) في تشریح فرضيّة «العموم البدليّ» في جانب المكلَّف، مفصّلاً القول فيها:

فالعموم البدليّ إنّما يكون بافتراض أحد قيدين في الطبيعة المتعلّقة للأمر: إمّا قيد الأوّليّة، بأن يكون الواجب مثلاً هو العالم الأوّل، أو قيد الوحدة.

فإن قيل بالأوّل في المقام، وإنّ التكليف متعلّقٌ بأوّل المكلّفين، كان هذا واضح البطلان؛ إذ لا ينسجم مع خصائص الوجوب الكفائيّ الذي لا يفرّق فيه بين المكلّف الأوّل وغيره.

وإن قيل بالثاني، أي إنّ متعلّق الوجوب هو المكلّف بقيد الوحدة أي أحدهم ـ كما في الواجب التخييريّ أيضاً بناءً على أحد التفاسير فيه ـ فهذا أيضاً لا يتمّ في المقام وإن كان تامّاً في طرف متعلّق الوجوب... .

خلاصة إشكال الشهيد الصدر:

الفرق بين العموم البدليّ فعلاً وفاعلاً

إنّ تصوير البدليّة في جانب «المتعلَّق» (الفعل) ـ كما في الواجب التخييريّ ـ أمرٌ معقول؛ فنقول: «متعلّق الوجوب هو أحد الفعلين»، لأنّ الغرض هو إيجاد الفعل خارجاً، وجعل التكليف صالحٌ لقدح الداعي نحو أحد الفعلين بلا محذور. أمّا في جانب «المكلَّف» (الفاعل)، فإنّ حقيقة التكليف لا تقتصر على مجرّد قدح الداعي، بل تتقوّم بـ «إشغال ذمّة شخصٍ» بعينه وتحميله مسؤوليّة الفعل. وهنا يكمن الإشكال في تفسير العموم البدليّ بـ «أحد المكلّفين»؛ إذ كيف تشغل ذمّةُ فردٍ مبهمٍ غير متعيّن؟!

الاحتمالات الأربعة في «تكليف أحد المكلّفين» وإبطالها

استقصى الشهيد الصدر (قدّس سرّه) أربعة وجوهٍ محتملة لتفسير عبارة «تكليف أحد المكلّفين»، وانتهى إلى بطلانها جميعاً:

الاحتمال الأوّل: إشغال ذمّة العنوان الاعتباريّ «أحد المكلّفين»

ويناقشه بقوله:

وحينئذٍ إن أُريد بتكليف أحد المكلّفين تشغيل ذمّة هذا العنوان الاعتباريّ، فهو لغو؛ إذ ليس له ذمّة كي ينشغل به.

ومحصّله أنّ عنوان «أحد» مجرّد مفهومٍ انتزاعيّ اعتباريّ، وليس شخصاً حقيقيّاً ذا ذمّةٍ قابلةٍ للاشتغال بالتكليف، فيكون هذا الجعل لغواً محضاً.

الاحتمال الثاني: إشغال ذمّة كلّ فردٍ بما هو مصداقٌ للعنوان

ويناقشه بقوله:

وإن أُريد بذلك تشغيل ذمّة كلّ فردٍ من المكلّفين باعتباره مصداقاً لهذا العنوان، فهذا خُلفُ وحدة التكليف.

وبيان ذلك أنّ اشتغال ذمّة كلّ فردٍ بخصوصه ـ لكونه مصداقاً للعنوان ـ يقتضي انحلال الوجوب بعدد الأفراد وتعدّده واقعاً، وهذا يناقض الفرض الأساسيّ للنظريّة الثالثة القائم على وحدة الوجوب وتعلّقه بـ «أحدهم».

الاحتمال الثالث: إشغال ذمّة فردٍ معيّنٍ بالخصوص

ويردّه (قدّس سرّه) بقوله:

وإن أُريد تشغيل ذمّة أحدهم تعييناً، فهذا ترجيحٌ بلا مرجّح.

إذ المفروض تساوي نسبِ جميع المكلّفين إلى الامتثال، فتعيين واحدٍ منهم دون سواه لتحمّل المسؤوليّة يستلزم الترجيح من غير مرجّح، وهو محال.

الاحتمال الرابع: إشغال ذمّة الفرد المردّد

ويبطلُه بقوله:

وإن أُريد تشغيل ذمّة أحدهم المردّد، فلا وجود للفرد المردّد كي يُعقل تشغيل ذمّته.

وحاصله أنّ «الفرد المردّد» (بمعنى الموجود لا في متعيّن) لا واقعيّة له في وعاء الخارج، فلا يُعقل اعتبار الذمّة له وتوجيه الخطاب إليه. وبهذا السبر والتقسيم، يثبت انسداد كافّة السبل لتصوير «تكليف أحد المكلّفين» على نحو العموم البدليّ.

خلاصة موقف الشهيد الصدر ومقارنته بالمختار

يتلخّص موقف الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في القول: إنّ تعريف الواجب الكفائيّ بأنّه «وجوبٌ واحدٌ متعلّقٌ بـ (أحد المكلّفين) على نحو العموم البدليّ»، يواجه طريقاً مسدوداً في مقام التحليل العقليّ؛ إذ لا يمكن تخريج وضعيّة المكلّف (الفاعل) وفق أيٍّ من الاحتمالات الأربعة المتقدّمة. وهذا بخلاف نظيره في طرف المتعلَّق (الواجب التخييريّ)، حيث يكون العموم البدليّ في الفعل أمراً معقولاً. وهذا النقد يتوجّه بالدقة إلى تلك القراءة لـ «أحد المكلّفين» التي تحاول جعله «عنواناً اعتباريّاً واحداً» في عرض الأفراد، وتطمح إلى تفسير الواجب الكفائيّ مع التحفّظ على وحدة التكليف الاعتباريّة.

المقارنة مع مسلك الإمام والمحقّق الفاضل اللنكراني (قدّس سرّهما)

وفي المقابل، نجد أنّ التحليل الذي قدّمه العلمان: الإمام الخميني والمحقّق الفاضل اللنكراني، ينظر إلى المسألة من زاويةٍ مغايرة. فهما يقرّران ـ في بعض أقسام الواجب الكفائيّ ـ أنّ الوجوب قد تعلّق ثبوتاً بـ «فردٍ مّا من المكلّفين». ومرادهما أنّ موضوع الحكم في نفس الأمر هو مكلّفٌ متعيّنٌ واقعاً (وإن كان مجهولاً عندنا)، وأنّ عنوان «أحد المكلّفين» ليس إلا مرآةً حاكيةً عن ذلك الواقع، لا أنّه عنوانٌ مستقلٌّ يملك ذمّةً اعتباريّة، ولا أنّه يوجب اشتغال ذمم الجميع بالفعل.

ومع ذلك، تبقى التفاتة الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في التفرقة بين العموم البدليّ في الفاعل (المكلَّف) والعموم البدليّ في الفعل (المكلَّف به) نكتةً دقيقةً وعميقة الغور؛ إذ تبيّن بوضوح الحدّ الفاصل بين «النظريّة الثالثة» (التي ترى الكفائيّ محض عمومٍ بدليٍّ في الفاعل)، وبين التحليل المختار عند المحقّق اللنكراني الذي يرتكز على دعامتي «التشبيه بالتخييريّ» و«الوجوب المشروط».

وقفةٌ تحليليّة مع كلام الشهيد الصدر

إنّ النكتة الدقيقة التي أثارها الشهيد الصدر (قدّس سرّه) تكمن في التحذير من مغبّة القياس الساذج بين «العموم البدليّ» في ناحية المكلَّف ونظيره في ناحية المتعلَّق. فالأوّل يستبطن بحثاً في «تشغيل الذمّة» وتحميل المسؤوليّة، بينما يدور الثاني مدار «قدح الداعي» نحو الفعل، وهما سنخان متباينان. بيد أنّنا لو تأمّلنا التقرير الذي ساقه العلمان، الإمام الخميني والمحقّق الفاضل (قدّس سرّهما) لمسلك «فردٍ من المكلّفين» ـ والقائم على أنّ الحكم قد تعلّق في الواقع ونفس الأمر بمكلّفٍ معيّنٍ ثبوتاً (وإن جهلناه إثباتاً)، وأنّ صدور الفعل منه يكشف لاحقاً عن اشتغال ذمّته سابقاً ـ لأمكننا القول: إنّ جلّ إشكالات الشهيد الصدر الأربعة تتوجّه بالأساس إلى تلك القراءة التي تحاول جعل عنوان «أحد» موضوعاً مستقلاً للذمّة، أو التي تسعى لتعميم الاشتغال ليشمل كافّة الأفراد.

أمّا بناءً على القراءة المختارة للإمام، والتي تجعل عنوان «أحد المكلّفين» مجرّد عنوانٍ مشير وحاكٍ عن تعلّق التكليف بذلك الفرد الخاصّ الواقعي، وتعتبر فعله كاشفاً عن موضوعيّته، فإنّ قسماً وافراً من تلك الإشكالات سوف يندفع ولا يجد سبيلاً للورود. نعم، لا يخفى أنّ لهذا التحليل لوازم وثمراتٍ في مقام الإثبات، وفي مدى انسجامه مع الخصائص المشهورة للواجب الكفائيّ، وهو ما سَنَكِلُ تفصيل القول فيه إلى البحث القادم.

ثمرات مبنى الإمام والمحقّق الفاضل في خصائص الواجب الكفائيّ

تعارف القوم في كتب الأصول على ذكر ثلاث خصائص رئيسة تميّز الواجب الكفائيّ: ١- إذا قام جميع المكلّفين بالفعل، وُصف الجميع بالامتثال. ٢- إذا قام به البعض وتركه الآخرون، سقط الوجوب عن الباقين. ٣- إذا تواطأ الجميع على الترك، عدّ الجميع عاصياً وآثماً. وهذه الخصائص الثلاث تجد تفسيرها الواضح بناءً على المسلك المشهور القائل بانحلال الوجوب بعدد المكلّفين (مع تقييدٍ بعدم فعل الغير). أمّا بناءً على المختار التحليليّ للإمام الخميني والمحقّق اللنكراني (قدّس سرّهما) ـ الذاهب إلى تعلّق التكليف في كثيرٍ من أقسام الواجب الكفائيّ بـ «فردٍ ما من المكلّفين» على نحو البدليّة ـ فإنّ تخريج هذه الخصائص وتكييفها سيأخذ منحىً مغايراً يستدعي البيان.

امتثال الجميع في فرض الفعل الجماعيّ

في موارد مثل الصلاة على الميّت، يقضي المرتكز المتشرّعيّ وظاهر العمل الخارجيّ بأنّه لو صلّى جميع الحاضرين على الجنازة، لصحّ القول بأنّ «الجميع قد امتثلوا»، ولترتّب ثواب الصلاة لكلّ واحدٍ منهم. بيد أنّ التحليل الثبوتيّ الذي اختاره الإمام الخميني (قدّس سرّه) ـ والقاضي بتوجّه التكليف في كثيرٍ من الأقسام إلى «فردٍ ما من المكلّفين» ـ يقتضي رؤيةً مغايرة. فغرض المولى من الواجب الكفائيّ يُستوفى بتمامه بتحقّق صلاةٍ واحدة. وعليه، فالوجوب ثبوتاً إنّما استقرّ في ذمّة الفرد الذي صار مجرىً فعليّاً لتحصيل الغرض. وأمّا صلوات الآخرين، وإن انطبق عليها عنوان الصلاة على الميّت واتّصفت بالرجحان أو الاستحباب ونالت الثواب، إلا أنّها لا تمثّل المصداق الأصيل للامتثال بالنسبة إلى ذلك الوجوب الكفائيّ الأوّليّ.

والمستفاد من مجموع كلمات الإمام والمحقّق الفاضل، أنّه يتعذّر ـ بناءً على هذا المبنى ـ الحفاظ على خصیصة «امتثال الجميع» بدلالةٍ مطابقيّةٍ تامّة. بل التحقيق أنّ الامتثال الأصيل للوجوب الكفائيّ لم يتحقّق إلا من قِبل فردٍ واحد، وتكون أفعال الآخرين ـ في أحسن أحوالها ـ واقعةً في هامش ذلك الامتثال، لا في صلبه.

سقوط الوجوب عن الآخرين بفعل الواحد

ومن الخصائص المشهورة الأخرى قولهم: «إذا قام بالواجب الكفائيّ واحدٌ، سقط التكليف عن الباقين». وهذا التعبير يبتني ـ في ظاهره على الأقلّ ـ على فرضيّة اشتغال ذمم جميع المكلّفين بذلك الواجب ابتداءً، ثمّ طروّ السقوط والارتفاع عن ذمم الآخرين بفعل ذلك الواحد.

ولكن بناءً على مسلك الإمام والمحقّق الفاضل (قدّس سرّهما) ـ اللذين ينفيان الاشتغال العامّ لذمم الجميع في كثيرٍ من أقسام الواجب الكفائيّ ـ يغدو هذا التحليل غيرَ مستقيم؛ إذ لا دليل ينهض لإثبات الاشتغال الابتدائيّ للجميع في هذه الموارد، كما أنّه لا ينسجم مع مبنى «فردٍ ما من المكلّفين» أن نقول أنّ فعل زيدٍ يبرئ ذمّة عمروٍ من تكليفٍ واقعيّ. مضافاً إلى أنّ قاعدة «وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» والصبغة الشخصيّة للتكاليف العباديّة تقتضي أنّه كما لا يحمل الفرد وزر غيره، فكذلك لا يُسقط عملُ الغير التكليفَ عن ذمّته، إلا أن نلتزم بأنّه لم يكن ثابتاً في عهدته من الأساس.

وعلى هذا الأساس، فإنّ التعبير الأدقّ والأكثر انسجاماً مع مبنى الإمام والمحقّق اللنكراني هو القول بأنّ التكليف الواقعيّ في الواجب الكفائيّ قد استقرّ منذ البدء في عهدة «فردٍ ما من المكلّفين». فمن بادر بالفعل إلى إتيان الواجب، فهو بعينه الذي كان موضوعاً للأمر واقعاً، وفعله كاشفٌ عن اشتغال ذمّته به. وأمّا الآخرون، فلم يتعلّق بهم تكليفٌ بهذا الوجوب الخاصّ أصلاً، كي يُبحث عن سقوطه بفعل الغير. وعليه، فإنّ عبارة «سقوط التكليف عن الباقين بفعل الواحد» تفتقر إلى الدقّة على هذا المبنى، والأحرى استبدالها بقولنا: «إنّ فعل الواحد يكشف عن توجّه الخطاب الواقعيّ إليه حصراً، لا أنّ خطاباً كان متوجّهاً لغيره فسقط بسببه».

الخصيصة الوحيدة المستقرّة: عصيان الجميع عند ترك الجميع

نعم، تبقى الخصيصة الثالثة ـ القائلة بأنّه «لو تواطأ الجميع على الترك، عدّوا جميعاً عاصين» ـ قابلةً للحفظ والتخريج على مبنى الإمام والمحقّق الفاضل (قدّس سرّهما). بيان ذلك أنّه وإن كان التكليف ثبوتاً متعلّقاً بـ «فردٍ ما من المكلّفين»، إلا أنّه في الفرض الذي يُحجم فيه الجميع عن المبادرة، فإنّ ترك الواجب يُستند عرفاً وعقلائيّاً إليهم كافّة. بمعنى أنّ القضيّة الصادقة «لم يقم أحدٌ بالفعل» تمثّل تركاً جماعيّاً حقيقيّاً، ويشترك الجميع في تحمّل وزر هذا الترك بنحوٍ من الأنحاء.

وبناءً على ذلك، ففي الهيكليّة التي يطرحها العَلمان، لو أطبق الجميع على الترك، كان الترك مستنداً إليهم جميعاً، واستحقّوا العقاب كافّة. أمّا لو قام به واحدٌ، فهو الممتثلُ للوجوب، وأمّا الآخرون فلم يثبت في حقّهم تكليفٌ من رأس (في هذا الوجوب الخاصّ). ولو قام الجميع بالفعل، فإنّ الامتثال الأصيلَ بالقياس إلى الوجوب الكفائيّ الأوّليّ إنّما يتحقّق من ناحية فردٍ واحد، وإن كانت أفعال الآخرين تقع مورداً للثواب بوصفها أعمالاً راجحةً أو مستحبّة.

خاتمة المطاف

والنتيجة المتحصّلة أنّ مقتضى مبنى الإمام الخميني والمحقّق الفاضل اللنكراني في الأقسام محلّ الابتلاء من الواجب الكفائيّ، هو استقرار الخصيصة الثالثة (عصيان الجميع عند الترك الجماعيّ) وتماميّتها. بيد أنّ الخصيصتين الأولى والثانية ـ بمعناهما الرائج في كلمات المشهور ـ لا يمكن الالتزام بهما على وجه الدقّة، بل لا بدّ من إعادة قراءتهما برؤيةٍ ثبوتيّةٍ أدقّ.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

---------------------
[1]- ‏فاضل موحدی لنکرانی، محمد، «اصول فقه شیعه»، با محمود ملکی اصفهانی و سعید ملکی اصفهانی، ج 5، ص 197-204.

[2]- ر.ک: (‏نجفی صاحب الجواهر، محمد حسن، «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام‌»، ج 12، ص 55 ؛ ج17، ص222؛ ج29، ص14؛ ج9، ص74.)

[3]- ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 277، الهامش 2.

[4]- ‏الصدر، محمد باقر، «بحوث في علم الأصول‏»، با محمود هاشمی شاهرودی، ج 2، ص 428-429.

[5]- ‏المصدر نفسه، ج 2، ص 428.


----------------------
المصادر
-اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول‏، محمود هاشمی شاهرودی، ۷ ج، قم، موسسه دائرة المعارف فقه اسلامي بر مذهب اهل بيت عليهم السلام‏، 1417.
- فاضل موحدی لنکرانی، محمد، اصول فقه شیعه، محمود ملکی اصفهانی و سعید ملکی اصفهانی، ۱۰ ج، قم، مرکز فقهی ائمه اطهار (ع)، 1381.
-نجفی صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام‌، ۴۳ ج، بیروت، دار إحياء التراث العربي‌، 1981.



۲۹ الزيارة

رأيك

رمز الامان
مطالب اكثر...
ساعد على توسيع الكلمات المفتاحية للدروس

اقترح كلمة مفتاحية لهذا الدرس
خلاصات الملاحظات

مُحصّل البحث المتقدّم
تحقيق المحقّق الفاضل اللنكراني في أقسام الواجب الكفائيّ
أصل المبنى: تعدّد الصور الثبوتيّة للواجبات الكفائيّة
القسم الأوّل: الطبيعة الممتنعة عن التكرار
نقد مبنى «صرف وجود المكلَّف»
نقد مبنى المحقّق البروجردي (المباشرة وعدمها)
الحلّان المقترحان لتصحيح القسم الأوّل
القسم الثاني: الطبيعة القابلة للتكرار مع كفاية الفرد الواحد
نقد مبنى «صرف وجود المكلَّف» في القسم الثاني
نقد مبنى المحقّق البروجردي في القسم الثاني
القسم الثالث: الطبيعة القابلة للتكرار والمطلوب صرف الوجود
أثر مبنى «الخطابات القانونيّة» في تحليل الواجب الكفائيّ
التفسير البديل: الواجب الكفائيّ بوصفه وجوباً لـ «صرف وجود الفعل»
مراجعة أركان التكليف ونقد مبنى المحقّق الأصفهاني
النظريّة الثالثة في تحليل الوجوب الكفائيّ ونقد الشهيد الصدر
الاحتمالات الأربعة في «تكليف أحد المكلّفين» وإبطالها
وقفةٌ تحليليّة مع كلام الشهيد الصدر
ثمرات مبنى الإمام والمحقّق الفاضل في خصائص الواجب الكفائيّ
الخصيصة الوحيدة المستقرّة: عصيان الجميع عند ترك الجميع
المصادر